صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4230

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وفرّط الشّيء وفيه تفريطا : ضيّعه وقدّم العجز فيه ، وفرّط في جنب اللّه ، ضيّع ما عنده فلم يعمل ، ومنه قوله تعالى : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ( الزمر / 56 ) وأمره فرط أي متروك ، وقوله تعالى : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( الكهف / 28 ) أي متروكا ، ترك فيه الطّاعة وغفل عنها . وقال الطّبريّ في تفسيره : ما فرّطت في جنب اللّه ، معناه فيما تركت من أمر اللّه ، وقال القرطبيّ : قال الحسن : في طاعة اللّه ، وقال الضّحّاك : أي في ذكر اللّه - عزّ وجلّ - قال : يعني القرآن والعمل به « 1 » . وفي الحديث « ليس في النّوم تفريط ، إنّما التّفريط أن لا يصلّى حتّى يدخل وقت الأخرى » وفرّطه تفريطا : مدحه حتّى أفرط في مدحه ، مثل قرّظه . وقال الخليل : فرّط اللّه تعالى عن فلان ما يكره : نحّاه ، وأفرط الأمر إذا نسيه ، فهو مفرط ، أي منسيّ ، وبه فسّر مجاهد وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي منسيّون « 2 » . التفريط والإفراط اصطلاحا : قال الكفويّ : الإفراط : التّجاوز عن الحدّ ويقابله التّفريط « 3 » ، ويؤخذ منه أنّ التّفريط : هو التّقصير والوقوف دون الحدّ في الأمور ، فإذا كان حدّ الاعتدال في أمر من الأمور هو عشر درجات كان الإفراط تجاوز ذلك إلى إحدى عشرة فما فوقها ، وكان التّفريط هو تحصيل تسع فما دونها . وقيل : التّفريط في الأمر : التّقصير فيه ، وتضييعه حتّى يفوت « 4 » . التفريط والإفراط مهلكة للفرد والمجتمع : لقد أمر الإسلام بالتّوسّط في الأمور كلّها ، فقال سبحانه : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ( البقرة / 143 ) والوسطيّة الّتي هي سمة هذه الأمّة يضيّعها أمران : أحدهما : التّقصير الّذي هو التّفريط وما يترتّب عليه من تضييع الحقوق ، والتّكاسل عن أداء الواجبات ، وينجم عن ذلك تأخّر الأمّة في المجالات الاقتصاديّة من زراعيّة وصناعيّة وتجاريّة وغيرها ، وعلى حسب درجة التّفريط يكون اعتماد الأمّة على غيرها ، ذلك الاعتماد الّذي يفقدها استقلالها وإرادتها ويجعلها عالة على من يقدّم لها المساعدة . ثانيهما : الإفراط وهو على العكس من ذلك ، يؤدّي إلى الغلوّ والإسراف والتّطرّف في الأمور كلّها ، وقد يحسب هؤلاء المفرطون أنّهم يحسنون صنعا ، إذ يشدّدون على أنفسهم وعلى غيرهم ، ولا يجنون من وراء ذلك إلّا كما يجنيه المنبتّ الّذي يهلك دابّته ولا يصل إلى تحقيق غرضه ، وقد حذّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا عندما قال : « إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق « 5 » » وقد يحسب هؤلاء المفرطون أنّهم بتسرّعهم وتشدّدهم يقدّمون لأنفسهم ولأمّتهم ، وأنّى لهم ذلك وهم

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري ( 11 / 19 ) ، تفسير القرطبي ( 15 / 176 ) . ( 2 ) التاج ( 10 / 361 ، 362 ، 363 ) . ( 3 ) الكليات للكفوي ( 155 ) . ( 4 ) الصحاح للجوهري ( 3 / 1148 ) . ( 5 ) مسند الإمام أحمد ( 3 / 199 ) .